الآلوسي

57

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )

الإجحاف لو حذفت أو الالتباس بقولنا للّه مجرورا فالرأي إبداء سر ذوقي لذلك وقد حرره الشيخ الأكبر قدس سره في الفتوحات بما لا مزيد عليه « 1 » ولست ممن يفهمه والقريب من الفهم أن الهمزة إنما حذفت في الخط ليكون اتصال السين بالباء المشير إلى ما تقدم أتم وتلقي الفيض أقوى مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [ النساء : 80 ] وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [ فاطر : 45 ] وفيه إشارة من أول الأمر إلى عموم الرحمة وشمول البعثة لأن السين لما كان ساكنا وتوصل إلى النطق به بالألف أشبه حال المعدوم الذي ظهر باللّه وحيث كان ذلك عاما إذ ما من معدوم يطلب الظهور إلا يكون ظهوره باللّه سبحانه وتعالى أعطى ذلك الحكم لما قام مقامه واتصل اتصاله وأدى في اللفظ مؤداه فإن كان عبارة عن صفات الجمال ظهر عموم الرحمة وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [ الأعراف : 156 ] وإن كان عبارة عن الحقيقة المحمدية ظهر شمول البعثة لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [ الفرقان : 1 ] بل والرحمة أيضا وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 107 ] وتناسبت أجزاء البسملة إشارة وعبارة وإنما طولت الباء للإشارة إلى أن الظهور تام أو إلى أنها وإن انخفضت لكنها إذا اتصلت هذا الاتصال ارتفعت واستعلت ، وفيه رمز إلى أن من تواضع للّه رفعه اللّه وأنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي . وقال الرسميون طولت لتدل على الألف المحذوفة ولتكون عوضا عنها وليكون افتتاح كتاب اللّه تعالى بحرف مفخم ولذا قال صلّى اللّه عليه وسلم لمعاوية فيما روي « ألق الدواة وحرف القلم وانصب الباء وفرق السين ولا تعور الميم وحسن اللّه ومد الرحمن وجود الرحيم وضع قلمك على أذنك اليسرى فإنه أذكر لك » ولعل منه أخذ عمر بن عبد العزيز قوله لكاتبه طول الباء وأظهر السينات ودور الميم ، ولبعضهم « 2 » في التعليل ما ادعي أنه ليس من عمل الأفهام بل مبذولات الإلهام وهو في التحقيق من مبتذلات الأوهام وليس له في التحقيق أدنى إلمام على أن في تعليلهم السابق خفاء بالنظر إلى مشربهم أيضا فافهم ذلك كله « واللّه » أصله الاعلالي إله كما في الصحاح أو الإله كما في الكشاف - ولكل وجهة - فحذفت الهمزة اعتباطا « 3 » على الأظهر وعوض عنها الألف واللام « 4 » ولذلك قيل : يا اللّه « 5 » بالقطع في الأكثر لتمحض الحرف للعوضية فيه احترازا عن اجتماع أداتي تعريف وأما في غيره فيجري الحرف على أصله ، وذكر الرضي أن القطع لاجتماع شيئين لزوم الهمزة الكلمة إلا نادرا كما في لاهه الكبار وكونها بدل همزة إله ، وقال السعد : قد يقال فيه : إنه نوى الوقف على حرف النداء « 6 » تفخيما للاسم الشريف واختلفوا في الفرق بين الإله واللّه فقال السيد السند : هما علم لذاته إلا أنه قبل الحذف قد يطلق على غيره تعالى وبعده لا يطلق على غيره سبحانه أصلا ، وقال العلامة السعد : إن الإله اسم لمفهوم كلي هو المعبود بحق واللّه علم لذاته تعالى ، وقال الرضي : هما قبل الإدغام وبعده مختصان بذاته تعالى لا يطلقان على غيره أصلا إلا أنه قبل الإدغام من

--> ( 1 ) فالرأي اعتراض على علماء الرسوم على العموم ا ه منه . ( 2 ) قال وإنما عوض ليكون الباء بمنزلة ألف اسم اللّه فيكون الابتداء ببسم اللّه ابتداء باسم اللّه فاعرفه فإنه إلخ وفيه أنه بما به يقتضي تخصيص الامتثال بالابتداء الخطي فقط وغير ذلك فافهمه ا ه منه . ( 3 ) ومقابله أنها حذفت بعد نقل حركتها إلى ما قبلها وحذفها لالتقاء الساكنين هي واللام قبلها ولزوم الحذف والتعويض وعدم منع الإدغام بل وجوبه مع أن المحذوف لعلة كالموجود من الأمور الشاذة التي اختص بها هذا الاسم الأعظم فافهم ا ه منه . ( 4 ) فلا يجتمعان إلا نادرا كما في الرضي كقوله « معاذ إله أن تكون كظبية ا ه منه . ( 5 ) وكون القطع في النداء أكثريا نص عليه الرضي ا ه منه . ( 6 ) ونقل عن سيبويه وقيل في توجيهه إن المعظم الجليل المقدم بعد ندائه باسمه من سوء الأدب فلذا جعل النداء كالمنقطع عما بعده والاسم الكريم كأنه غير منادى وفرق بين النداء بالعلم المجرد والنداء بالوصف المادح فلا يرد يا رحمن الدنيا والآخرة فتدبر ا ه منه .